هل المغربُ بحاجة إلى حكومةٍ مِن 39 وزيراً ووزيرةٍ؟
هسبريس - محمد الراجي
الاثنين 21 أكتوبر 2013 - 11:15
بِقْدرِ ما كان المغاربة منشغلين، أثناء مخاض تشكيل حكومة بنكيران الثانية، بمعرفة الوزارات التي سيستحوذُ عليها حزب التجمّع الوطنيّ للأحرار، بعد مصادقة مجلسه الوطني على قرار الانضمام إلى حكومة بنكيران، بعد انسحاب وزراء حزب الاستقلال منها، تفاجأ الرأي العامّ بزيادة عدد الحقائب الوزارية عقب الإعلان عن تشكيل الحكومة في نسختها الثانية، لينتقل العدد من 31 وزارة، إلى 39، وهو ما يمثّل ضِعْفَ ما كان قد وعد به حزب العدالة والتنمية، قبيل الانتخابات التشريعية الماضية، من كونه سيشكّل حكومة من 21 وزارةً.
"حكومة 1-40" كما سمّاها البعض، خلفت ردود فعل ساخرة من طرف رواد المواقع الاجتماعية المغاربة، مباشرة بعد الإعلان عنها، حيث ذهب الكثيرون إلى التساؤل عن الداعي إلى حكومة من هذا العدد "الهائل" من الوزراء، فيما لا يتجاوز عدد الحكومة اليابانية مثلا 15 وزيرا، لكنها في المقابل تطرح أسئلة جدّية حول ما إن كان المغرب بحاجة إلى حكومة من 39 وزيرا، خصوصا في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تعرفها البلاد.
فإضافة إلى الراتب الشهريّ لكل وزير، ومعاشه الذي يصل إلى أربعة ملايين سنتيم، يتلقاها مدى الحياة، فإنّ كل وزير يشتغل إلى جانبه طاقم من المستشارين والموظفين، يتلقى رواتب بالملايين، ويحتاج إلى سيارات تقتنيها الدولة، وتُصرف عليها شهريا ملايين تهمّ الوقود والتأمين والإصلاح وغيرها... فهل المغرب بحاجة إلى حكومة بهذا "الجيش" من الوزراء؟
"بنكيران يُخْلف وعْده"
"الحكومة الحالية تثير العديد من الملاحظات، كما تطرح تركيبتها العديد من التساؤلات؛ فـ 39 وزيرا يُعتبر عددا ضخما ويفوق كلّ التوقعات، ويتناقضُ مع ما سبق أن أعلنَ عنه حزب العدالة والتنمية بمناسبة انتخابات 25 نونبر 2011، حيث سبق لبنكيران أن تحدث عن ترشيد الحكومة وعقْلنة الهندسة الحكومية، وهذا ما لم يحدث، بل وقع العكس تماما"، يقول أحمد مفيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية الحقوق بفاس.
ترشيد النفقات العمومية، الذي كان من بين النقط التي ركّز عليها حزب العدالة والتنمية في برنامجه الانتخابي لانتخابات 25 نونبر 2011، التي أوصلته إلى قيادة الحكومة، عادَ، بعد تشكيل الحكومة الجديدة ليُوضع تحت المجهر، ومعه يُطرح سؤال مدى التزام الأحزاب المغربية بتنفيذ وتطبيق ما تعدُ به الناخبين قبيْل الانتخابات.
في هذا السياق يقول أحمد مفيد، إنّ العدد الضخم من الوزراء والوزراء المنتدبين سيكلف خزينة الدولة مبالغ مالية مهمة، إذْ لا يتعلق الأمر فقط براتب الوزير، بلْ أيضا بأجور الطاقم المساعد له في الديوان، وبالامتيازات والتعويضات التي يتلقاها إلى جانب أعضاء ديوانه.
ومن هذا المنطلق، يضيف مفيد، فالزيادة في عدد الوزراء في ظل الظرفية الاقتصادية والمالية والسياسية التي يجتازها المغرب راهناً، يُعتبر أمرا غير مقبول وغيرَ منطقي، ويبين عن نوع من ازدواجية الخطاب، لأنه في الوقت الذي ضَمَّن فيه بنكيران الرسالة التأطيرية المتعلقة بإعداد مشروع قانون مالية سنة 2014، العديدَ من التوجيهات التي تُلزم جميع الوزراء بإيقاف ترقيات الموظفين وعدم الالتجاء للتوظيف، إلا استثناءا، وباتّباع سياسة التقشف، يزيد من عدد الوزراء دون أن يأخذ بعين الاعتبار للمتطلبات المالية لهذه الزيادة.
وإذا كانت زيادة عدد وزراء الحكومة، ستكون لها انعكاسات سلبيّة على ماليّة الدولة، فإنّ انعكاساتها السلبيّة ستُلقي بظلالها على صورة رئيس الحكومة نفسه؛ أحمد مفيد أوضح أن صورة بنكيران لدى الرأي العام في الوقت الحالي، بعد الزيادة التي طالت أسعار المحروقات لمرّتين، وما أعقبها من زيادات طالت أسعار الموادّ الاستهلاكية والخدمات، "مرتبطة بالزيادة في كل شيء، ماعدا في الأجور وفي تحسين ظروف المعيشة".
"لا حاجة لنا بهذا العدد من الوزراء"
من جهته يرى رئيس الشبكة المغربية لحماية العامّ، محمد المسكاوي، أنّ المغرب، "إذا أخذنا بعين الاعتبار احتياجاته، وتوجّهاته العامّة، فهو ليس بحاجة إلى عدد الوزارات التي تضمُّها حكومة بنكيران في نسختها الثانية، مثلما لا يحتاج إلى تقسيم الوزارات وخلق وزارات منتدبة"، مبديا استغرابه لـ"العدد الكبير للتشكيلة الحكومية الحالية".
المسكاوي ذهب إلى أنّ زيادة عدد الوزارات لن يعود على المغرب بأي نتيجة، طالما أنّ أغلب الملفات الإستراتجية في الدولة، حسب قوله، يشرف عليها القصر، ويضيف "حتى المشاريعُ الاجتماعية تشرف عليها مؤسسات مستقلة، فما الداعي إلى كل هذا العدد من الوزارات، علما أن بعض الوزراء الجدد سيحتاجون إلى وقت طويل للتكيف مع المسؤولية والاضطلاع بالملفات".
وبعمليّة حسابيّة يخُلص رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العامّ إلى أنّ زيادة عدد وزارات الحكومة سيكون له انعكاس سلبيّ على الميزانية المخصّصة للنفقات العمومية؛ فإذا افترضنا - يشرح المسكاوي- أنّ كل وزير يتلقّى راتبا شهريا في حدود 50 ألف درهم، وهو رقم متفاوت، فذلك معناه أنّ أجور وزراء الحكومة الحالية ستكلف ميزانية الدولة 1.950.000 درهم في الشهر أي 23.400.000 درهم سنويا، دون نسيان أعضاء الدواوين والبنايات الجديدة للقطاعات الوزارية الجديدة.
"السؤال الذي أطرحه هو: إذا كان رئيس الحكومة قد رفع أسعار المحروقات للتخفيف على الميزانية العامة، وحصْرِ مستويات العجز، فما التبرير لهذه المصاريف الإضافية للطاقم الحكومي الجديد؟"، يتساءل المسكاوي، ويمضي قائلا "إننا كشعب نتحمل نفقات الحكومة الجديدة عوض أن يتم تقليص العدد والأجور وترشيد النفقات الإدارية، كحُسن نية وكتضامن ما بين الشعب والإدارة لتحمّل تقلبات الأسعار الدولية، وأمام هذا الوضع فهذه الحكومة وما سيواكبها من مصاريف لم يعد من حقها أن تترجم الزيادات على حساب المواطنين".
هل كان أمامَ بنكيران حلّ آخر؟
السؤال الذي يطرحه الكثيرون، وطرحوه حتى قبل الإعلان عن تشكيل الحكومة الحالية، وما رافقه من عقبات جعلت رئيس الحكومة يقدّم عددا من "التنازلات"، وعلى رأسها "التضحيّة" بوزارة سيادية مهمّة، هي وزارة الخارجيّة، لفائدة حليفه الجديد صلاح الدين مزوار، وعودة وزارة الداخلية إلى التكنوقراط، بعد إزاحة امحند العنصر من على كرسيّها، هو: لماذا لم يلجأ بنكيران إلى انتخابات سابقة لأوانها؟
وفي مقابل مؤّيدي هذا الطرح قال آخرون إنّ ذلك لم يكن من مصلحة حزب العدالة والتنمية، خصوصا بعد "النكوص" الذي عرفه الربيع الديمقراطي في عدد من بلدان المنطقة التي وصل فيها الإسلاميون إلى الحكم، وفي مقدمتها مصر؛ وبالتالي كان يلزمه "السير إلى جانب الموج" عوض المغامرة باقتحامه بالقوة؛ فهل كان أمام بنكيران حلّ آخر؟
"لجوء بنكيران لتجزيء العديد من الوزارات والرفع عدد الوزراء، كان بسبب ترضية طموحه الشخصي، أولا، للبقاء في منصب رئيس الحكومة بأي ثمن، وكان أيضا بسبب الرغبة في ترضية رغبة وطموح مختلف مكونات التحالف الحكومي"، يجيب أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية الحقوق بفاس، أحمد مفيد.
ويوضّح أنّ رئيس الحكومة كان بإمكانه اللجوء لخيارات أخرى عوض الدخول في تحالف حكومي بهذه الصيغة وبهاته الشروط، "فالرأي العام يعلم بشكل جيد طبيعة الصراع الواضح الذي كان بين حزبي العدالة والتنمية وحزب التجمع الوطني للأحرار، وخصوصا في شخص صلاح الدين مزوار، كما أنّ الرأي العام لاحظ وتتبّع واستمع للسب والقذف المتبادل بينهما غير ما مرة، ومع ذلك يتم التحالف بينهما حاليا بدعوى المصلحة الوطنية".
مفيد عاد ليذكّر بـ"الحروب الشفهية" التي دارت رحاها على منصّات المهرجانات الخطابية إبّان الحملة الانتخابية التي سبقت انتخابات 25 نونبر 2011، متسائلا "هل يَعتبر هؤلاء "القادة" المواطنين المغاربة شعْبا بدون ذاكرة؟ إن المغاربة جدّ أذكياء ولهم قدرة كبيرة على تحليل الأحداث واستخلاص النتائج، وبالتالي فيجب احترامهم واحترام وعيهم السياسي".
لكن، ما هو الحلّ الذي كان أمام بنكيران لتفادي تقديم تنازلات وتشكيل حكومة مشكّلة من "جيش من الوزراء"؟، طرحنا السؤال على الأستاذ مفيد وكان جوابه أنّ رئيس الحكومة، عوض أن يلجأ إلى تشكيل النسخة الثانية لحكومته بهذه"التضحيات"، كان بإمكانه اللجوء لخيارات أخرى، وفي مقدمتها تقديم استقالته وإعادة تعيين رئيس حكومةٍ جديدٍ من حزب العدالة والتنمية، ليقود عملية تشكيل حكومة جديدةٍ بأغلبية منسجمة، وفي حالة فشل هذا الخيار كان بالإمكان اللجوء لحل مجلس النواب وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها.
وبما أنّ ذلك لم يتمّ، يلفت أستاذ القانون الدستوري الانتباه إلى مسألة مهمّة، وهي أنّ الخلاصة الأساسية التي ينبغي أن يعيها جميع الفاعلين السياسيين هي أن الكثير من تصرّفاتهم غير المحسوبة قد تؤدي لمزيد من العزوف السياسي، كما قد تؤدي لارتفاع وتيرة الاحتجاجات، مع ما سيترتب عن ذلك من نتائج، "ولهذا فجميع الأحزاب السياسية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالانخراط الجاد في خدمة المواطنات والمواطنين، وتحسين أوضاعهم المعيشية، والتجاوب مع متطلباتهم، وذلك حفاظا على الاستقرار الذي يميز المغرب، وتفاديا لأي تطورات لم تكن في الحسبان"
via منتديات الأستاذ التعليمية التربوية المغربية : فريق واحد لتعليم رائد http://www.profvb.com/vb/t131072.html
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire